فصل: قال في ملاك التأويل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الخازن:

قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا} يعني ومن أشد عنادًا وأخطأ فعلًا وأعظم كفرًا ممن اختلق على الله كذبًا فزعم أن له شريكًا من خلقه وإلهًا يعبد من دونه كما قال المشركون من عبدة الأصنام، أو ادعى أن له صاحبه وولدًا كما قلت النصارى {أو كذب بآياته} يعني كذب بحجته وأعلام أدلته التي أعطاها رسله كما كذبت اليهود بمعجزات الأنبياء وقيل معناه أو كذب بآيات القرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم {إنه لا يفلح الظالمون} يعني أنه لا ينجح القائلون على الله الكذب والمفترون على الله الباطل. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا} بوصفهم النبيَّ الموعودَ في الكتابين بخلاف أوصافِه عليه الصلاة والسلام فإنه افتراءٌ على الله سبحانه وبقولهم: الملائكةُ بناتُ الله، وقولِهم: {هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله}، ونحو ذلك، وهو إنكارٌ واستبعادٌ لأن يكونَ أحدٌ أظلمَ ممن فعل ذلك أو مساويًا له، وإن كان سبكُ التركيب غيرَ متعرِّض لإنكار المساواة ونفيُها يشهد به العُرف الفاشي، والاستعمالُ المطَّرد، فإنه إذا قيل: من أكرمُ من فلانٍ أو لا أفضلَ من فلان فالمرادُ به حتمًا أنه أكرمُ من كل كريم، وأفضلُ من كل فاضل، ألا يُرى إلى قوله عز وجل: {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ في الآخرة هُمُ الأخسرون} بعد قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا} الخ، والسرُّ في ذلك أن النسبةَ بين الشيئين إنما تُتصوَّر غالبًا لاسيما في باب المغالبة بالتفاوُت زيادةً ونُقصانًا، فإذا لم يكن أحدُهما أزيدَ يتحقق النُقصانُ لا محالة {أو كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} كأن كذّبوا بالقرآن الذي من جملته الآيةُ الناطقةُ بأنهم يعرِفونه عليه الصلاة والسلام كما يعرِفون أبناءهم، وبالمُعجزات وسمَّوْها سحرًا، وحرفوا التوراة وغيّروا نُعوته عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك تكذيبٌ بآياته تعالى، وكلمةُ (أو) للإيذان بأن كلًّ من الافتراء والتكذيب وحدَه بالغٌ غايةَ الإفراط في الظلم، فكيف وهم قد جمعوا بينهما فأثبتوا ما نفاه الله تعالى ونفَوْا ما أثبته، قاتلهم الله أنى يؤفكون.
{إِنَّهُ} الضمير للشأن، ومدارُ وضعه موضعَه ادِّعاءُ شهرتِه المُغْنية عن ذكره، وفائدةُ تصديرِ الجملة به الإيذانُ بفَخامة مضمونِها مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن فإن الضمير لا يُفهم منه من أول الأمر إلا شأنٌ مُبهمٌ له خطرٌ فيبقى الذهن مترقبًا لما يعقبُه فيتمكّن عند وروده له فضلُ تمكُّنٍ فكأنه قيل: إن الشأن الخطيرَ هذا هو {لاَ يُفْلِحُ الظالمون} أي لا ينجُون من مكروهٍ ولا يفوزون بمطلوب، وإذا كان حالُ الظالمين هذا فما ظنُّك بمن في الغاية القاصيةِ من الظلم. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا} بادعائه أن له جل شأنه شريكًا وبقوله الملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله.
وعد من ذلك وصف النبي عليه الصلاة والسلام الموعود في الكتابين بخلاف أوصافه.
والاستفهام للاستعظام الادعائي.
والمشهور أن المراد إنكار أن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك أو مساويًا له، والتركيب وإن لم يدل على إنكار المساواة وضعًا كما قال العلامة الثاني في شرح المقاصد وحواشي الكشاف يدل عليه استعمالًا فإذا قلت: لا أفضل في البلد من زيد فمعناه أنه أفضل من الكل بحسب العرف، والسر في ذلك أن النسبة بين الشيئين إنما تتصور غالبًا لاسيما في باب المغالبة بالتفاوت زيادة ونقصانًا فإذا لم يكن أحدهما أزيد يتحقق النقصان لا محالة.
وادعى بعض المتأخرين أنه سنح له في توجيه ذلك نكتة حسنة ودقيقة مستحسنة وهي أن المتساويين بل المتقاربين في نفس الأمر لا يسلم كل واحد منهما أن يفضل عليه صاحبه فإن كل أحد لا يقدر على أن يقدر كل شيء حق قدره وكل إنسان لا يقوى على أن يعرف كل أمر على ما هو عليه فإن الأفهام في مقابلة الأوهام متفاوتة والعقول في مدافعة الشكوك متباينة، فإذا حكم بعض الناس مثلًا بالمساواة بين المتساويين في نفس الأمر فقد يحكم البعض الآخر برجحان ذلك على حسب منتهى أفهامهم ومبلغ عقولهم ومدرك إدراكهم فكل ما يوجد من يساويه في نفس الأمر يوجد من يفضل عليه بحسب اعتقاد الناس بل كلما يوجد من يقاربه فيه يوجد من يفوقه في ظنون العامة وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كلما لا يوجد من يفضل عليه لا يوجد من يساويه بل من يقاربه أيضًا وهو المطلوب، وبالجملة إن إثبات المساوي يستلزم إثبات الراجح الفاضل فنفي الفاضل يستلزم نفي المساوي لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم كما أن إثبات الملزوم يستلزم إثبات اللازم وفيه تأمل.
وادعى بعض المحققين أن دلالة التركيب على نفي المساواة وضعية لأن غير الأفضل إما مساو أو أنقص فاستعمل في أحد فرديه.
قال ابن الصائغ في مسألة الكحل: إن ما رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد وإن كان نصًا في نفي الزيادة وهي تصدق بالزيادة والنقصان إلا أن المراد الأخير وهو من قصر الشيء على بعض أفراده كالدابة انتهى.
وأنت تعلم أن هذا مشعر باعتبار العرف أيضًا.
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ} كأن كذب بالقرآن الذي من جملته الآية الناطقة بأن أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم أو بسائر المعجزات التي أيد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن سماها سحرًا، وعد من ذلك تحريف الكتاب وتغيير نعوته صلى الله عليه وسلم الذي ذكرها الله تعالى فيه، وإنما ذكر {أَوْ} وهم جمعوا بين الأمرين إيذانًا بأن كلا منهما وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس، وقيل: نبه بكلمة {أَوْ} على أنهم جمعوا بين أمرين متناقضين يعني أنهم أثبتوا المنفي ونفوا الثابت، والمراد بالمتناقضين أمران من شأنهما أن لا يجمع بينهما عرفا أو يقال: إن من نفي الثابت بالبرهان يكون بنفي ما لم يثبت به أولى، كذلك في الطرف الآخر فالجمع بينهما جميع بين المتناقضين من هذا الوجه.
وادعى بعضهم أن وجه التناقض المشعر به هذا العطف أن الافتراء على الله تعالى دعوى وجوب القبول بلا حجة ما ينسب إليه تعالى وتكذيب الآيات دعوى أنه يجب أن لا يقبل ما ينسب إليه تعالى ولو أقيم عليه بينة ويجب أن ينكر التنبيه ويرتكب المكابرة بناء على أن الرسول يجب أن يكون ملكًا.
ولا يخفى أن في دعوى التناقض خفاء، وهذه التوجيهات لا ترفعه.
{إنَّهُ} أي الشأن، والمراد أن الشأن الخطير هذا وهو {لاَ يُفْلِحُ} أي لا يفوز بمطلوب ولا ينجو من مكروه {الظالمون} من حيث إنهم ظالمون فكيف يفلح الأظلم من حيث إنه أظلم. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا} عطف على جملة {الذين خسروا أنفسهم} [الأنعام: 20].
فالمراد بهم المشركون مثل قوله: {ومن أظلم ممّن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} وقد تقدَّم نظيره في سورة البقرة (114).
والمراد بافترائهم عقيدة الشرك في الجاهلية بما فيها من تكاذيب، وبتكذيبهم الآيات تكذيبهم القرآن بعد البعثة.
وقد جعل الآتي بواحدة من هاتين الخصلتين أظلم الناس فكيف بمن جمعوا بينهما.
وجملة: {إنّه لا يفلح الظالمون} تذييل، فلذلك فصلت، أي إذا تحقّق أنّهم لا أظلم منهم فهم غير مفلحين، لأنّه لا يفلح الظالمون فكيف بمن بلغ ظلمه النهاية، فاستغنى بذكر العلّة عن ذكر المعلول.
وموقع (إنّ) في هذا المقام يفيد معنى التعليل للجملة المحذوفة، كما تقرّر في كلام عبد القاهر.
وموقع ضمير الشأن معها أفاد الاهتمام بهذا الخبر اهتمام تحقيق لتقع الجملة الواقعة تفسيرًا له في نفس السامع موقع الرسوخ.
والافتراء الكذب المتعمّد.
وقوله: {كذبًا} مصدر مؤكَّد له، وهو أعمّ من الافتراء.
والتأكيد يحصل بالأعم، كما قدّمناه في قوله تعالى: {ولكنّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب} في سورة المائدة (103)، وقد نفى فلاحهم فعمّ كلّ فلاح في الدنيا والآخرة، فإنّ الفلاح المعتدّ به في نظر الدين في الدنيا هو الإيمان والعمل، وهو سبب فلاح الآخرة. اهـ.

.قال الشعراوي:

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)}.
إنهم افتروا على الله الكذب عندما فعلوا ذلك: نسوا حظًا مما ذكروا به، وكتموا بعضًا من الكتب المنزلة إليهم، وحرفوا الآيات المنزلة إليهم، وجاءوا بأقوال من عندهم ونسبوها إلى الله. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عنهم: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79].
إن الحق يتوعدهم بالعذاب لأنهم باعوا الدين لقاء ثمن قليل في الدنيا، وادعوا على الله الكذب فنسبوا إليه ما لم ينزله، ولذلك فالويل كل الويل لهم؛ لإنهم انحطوا إلى أخس دركات الظلم وكذبوا الكذب المتعمد في كلية ملزمة وهي الإيمان بالله وبالكتب المنزلة والرسل.
والافتراء هو الكذب المتعمد بغرض نسبة شيء إلى الله لم يقله، وهم قد فعلوا ذلك، ولهذا لا يفلح الظالمون سواء ظلموا الناس بأخذ أموالهم أو الإساءة إليهم، أو ظلموا أنفسهم بالشرك بالله وهو أعظم الظلم {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.قال في ملاك التأويل:

قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون} وقال فيما بعد من هذه السورة: قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شيء} وفى سورة الأعراف: قوله تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون} وفى سورة العنكبوت: قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه} وفى سورة الصف: قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام} وفى هذه الآيات سؤالان: أحدهما وجه ورود الآيات في هذه المواضع بهذا النص من قوله: {فمن أظلم ممن افترى على كذبا} وتعقيب كل آية منها بما اتصل بها والسؤال الثانى: تعريف الكذب في سورة الصف وتنكيره فيما عداها.
والجواب عن الأول: أن الأولى تقدمها قوله: {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا يستهزئون} ثم قال تعالى بعد: {ولو أنزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} فحصل من هذا افتراؤهم وفى قولهم: إنه سحر.
وتكذيبهم قال تعالى: {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} وجعلهم مع الله آلهة سواه فجمعوا بين الشرك والتكذيب فناسب هذا ورود قوله تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} على طريقة التعجب من مرتكبهم وسوء حالهم أى: من أظلم يا محمد من هؤلاء الجامعين بين الافتراء والشرك والتكذيب مع وضوح الشواهد وكثرة الدلائل الواردة أثناء هذه الآى مما لا يتوقف فيه معتبر فقد وضح تناسب هذا كله وحق لمرتكبه الوصف بالظلم الذي لا يفلح المتصف به وهو ظلم الافتراء على الله والشرك والتكذيب.
وأما الآية الثانية من سورة الأنعام فإن قبلها ذكر الرسل عليهم السلام وتعقيب ذكرهم بقوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ثم قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} فأعظم تعالى مرتكبهم في هذا وفى تعاميهم عن التوراة وما تضمنته من الهدى والنور ثم أعقب ذلك بقوله تنزيها للرسل عليهم السلام عن الافتراء على الله سبحانه وادعاء الوحى فصار الكلام بجملته في قوة أن لو قيل: ألا ترون ما تضمن كتاب موسى من الهدى والنور والبراهين الواضحة وهل يمكن أحد أعظم افتراء من هذا {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه بشيء} فهذا أوضح شيء ولما لم يتقدم في الآية الأولى ذكر الأنبياء والوحى إليهم كما في هذه لم يناسبها ما ورد هنا فجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم.
وأما آية الأعراف فتقدمها وعيد من كذب بآيات الرسل واستكبر عنها وأنهم أهل الخلود في النار فناسب هذا قوله تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على كذبا أو كذب بآياته...} الآية.
وأما آية يونس فتقدم قبلها قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله} إلى آخر الآية ولا أظلم ممن قال من فصحاء العرب العالمين بمقاطع الكلام وجليل النظم وعلى البلاغة: {ائت بقرآن غير هذا} أو بدله مع علمهم بعلى فصاحته واعترافهم بالعجز عنه فجمعوا بين إنكار ما علموا صدقه ممن عرفوا على حاله وجليل منصبه فإخباره تعالى عنهم بقوله: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} فجمعوا بين الانكار وبين وقولهم في إنكارهم {أو بدله} فلا أظلم من هؤلاء ثم في إنكارهم وقولهم: {أو بدله} أعظم إقدام وأوضح إجرام لأنه كفر على علم فلهذا أعقبت الأية هنا بقوله: {إنه لا يفلح المجرمون} ولم يقع قبل التي في سورة الأنعام وقبل آية الأعراف مثل هذا الاقدام على مثل هذه الجريمة في القول وإنما تقدم عداوتهم زظلمهم أنفسهم في مرتكباتهم وتعاميهم فناسبه قوله: {إنه لا يفلح الظالمون} وأما آية العنكبوت وآية الصف فجوابهما بين مما تقدم.
وجواب ثان: وهو أنه قد تقدم مما به الاعتبار في الأولى من آيتى الأنعام وآية يونس ما فيه كفاء وإن تنوع فقد جنعه جامع الاعتبار وفى كل شفاء لمن وفق للاعتبار به فمن عدل عنه فظالم إلا أن الاجترام يبنى على أشد من الظلم وإن كان قد أجرى مع الظلم عدم الفلاح إلا أن الجرم أنبأ بالشدة وأخص بالاشعار بشناعة المرتكب وتقدم أن ترتيب السور والآى مراعى وعظيم الموقع وأنه لا يعارضه ترتيب النزول فإذا تقرر هذا فنقول: قدم وصفهم بالظلم ثم تكرر ذلك ممن افترى أو كذب وقد وصف أولا بالظلم فوصف ثانيا بالاجترام ترقيا في الشر كما يترقى في الخير وأيضا ليناسب ما وقع في يونس متقدما من قوله: {وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزى القوم المجرمين}.
والجواب عن السؤال الثانى أن آية الصف قد انفردت عن كل ما تقدم من هذه الآى بذكر تعيين المفترى فيه الكذب منطوقا به من غير الإجمال الوارد في الآى الأخر بل ورد على التفصيل والتعيين وذلك بين من قوله تعالى: {وإذ قال عيسى بن مريم يا بنى إسرائيل إنى رسول الله اليكم لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد} ثم قال: {فلما جاءهم بالبينات} أي فلما جاءهم الرسول الذي سماه لهم عيسى بالبينات والدلائل القاطعة والتصديق لما بين يديه من التوراة قالوا هذا سحر مبين فافتروا الكذب وارتكبوا البهت فيما لا توقف فيه ولا اشكال فقيل متعجبا من حالهم على الجارى في لسان العرب: {ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب} معرفا بأداة العهد ليقوم مقام الوصف حتى كأن قد قيل هذا الكذب الذي لا امتراء فيه ولا توقف ولما لم يرد في الآى الأخر ما تقدم هنا كان الوجه أن يرد منكرا كما ثبت فورد على ما يناسب ويجب والله أعلم. اهـ.